محمد بن جرير الطبري

482

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية . ( 1 ) كانوا فيما بلغنا يقولون : " الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم : أبًا والدًا غير مولود ، وابنًا مولودًا غير والد ، وزوجًا متتبَّعة بينهما " . * * * يقول الله تعالى ذكره ، مكذّبًا لهم فيما قالوا من ذلك : " وما من إله إلا إله واحد " ، يقول : ما لكم معبود ، أيها الناس ، إلا معبود واحد ، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود ، بل هو خالق كل والد ومولود = " وإن لم ينتهوا عما يقولون " ، يقول : إن لم ينتهوا قائلوا هذه المقالة عما يقولون من قولهم : " الله ثالث ثلاثة " ( 2 ) = " ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم " ، يقول : ليمسن الذين يقولون هذه المقالة ، والذين يقولون المقالة الأخرى : " هو المسيح ابن مريم " ، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون ، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم ، ( 3 ) ولم يقل : " ليمسنَّهم عذابٌ أليم " ، لأن ذلك لو قيل كذلك ، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا لقائل القول الثاني ، وهم القائلون : " الله ثالث ثلاثة " ، ولم يدخل فيهم القائلون : " المسيح هو الله " . فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كلَّ كافر ، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أنّ وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل ، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه . * * * فإن قال قائل : وإن كان الأمر على ما وصفت ، فعلى مَنْ عادت " الهاء والميم " اللتان في قوله : " منهم " ؟ قيل : على بني إسرائيل . * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " والملكانية " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) انظر تفسير " انتهى " فيما سلف 3 : 569 / 6 : 14 . ( 3 ) انظر تفسير " مس " فيما سلف 7 : 414 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .